محمد حسين هيكل
346
حياة محمد ( ص )
إن كان في ترك الابن يجترح من ذلك ما يجترح مزدجر وعبرة لأهله وإخوته ، فإذا كان الأهل والإخوة يعدّون بالمئات أو بالألوف في مدينة كثرت فيها أسباب الغواية بطبيعة نواميسها ، فمن الخير ومن العدل أن يكون فيما يصيب بعض هؤلاء من الآثار المحتومة جزاء أعمالهم ما تستقيم به أمور هذه الجماعة على أسف منها لما أصاب الظالمين من أبنائها . وهذه أبسط صور العدل على ما نتصوره في جماعتنا الإنسانية ، فما بالك بها حين نتصورها بالنسبة للعالم كله وملايين الملايين من خلائقه في لا نهايات الزمان والمكان ! إن ما يصيب فردا أو جماعة بظلمهم ، في هذه الصورة التي يكاد يعجز عن تصورها خيالنا ، إنما هو العدل في أبسط صوره . لو أننا نسبنا الظلم لأب ترك ابنه الذي ضل يلقى جزاء ضلاله ما دام الضلال قد كتب عليه ، لحق علينا أن ننسب الظلم لأنفسنا لأننا نقتل برغوثا يؤذينا اتقاء وخوفا من عدوى ينقلها إلينا قد تكون وبالا علينا وعلى الجماعة إذا انتقلت منا إلى غيرنا ، أو لأننا نفتّت حصاة في المرارة أو الكلى خيفة ما تجره علينا من آلام وشقوة ، أو لأننا نبتر عضوا من أعضائنا مخافة أن يستشري منه الفساد إلى سائر الجسم فيقتله . ولو أننا لم نفعل ، لأن ذلك قد كتب علينا ، ثم شقينا أو هلكنا فلا نلومنّ إلا أنفسنا بما يصيبنا من السوء ما دام اللّه قد فتح لنا باب الشفاء كما فتح للمذنب باب التوبة . والجاهلون وحدهم هم الذين يقبلون الألم والشقاء زعما منهم أنه كتب عليهم ؛ وذلك حماقة منهم وسخف . فكيف بنا ونحن نرى قتل البرغوث واستئصال الحصاة وبتر العضو المريض عدلا كل العدل ، وإن كان قد كتب في سنة الكون أن يؤذي البرغوث وأن ينقل إلى الإنسان العدوي وأن تفسد الحصاة وأن يفسد العضو المريض سائر الجسد فيقضي عليه - كيف بنا ونحن نرى هذا ألا نعتبر سذاجة بلهاء لا مسوّغ لها إلا الاستئثار الضيق الأفق أن نقف من أمر هذه العدالة عند ذواتنا ، وألّا نعدّيها إلى الجماعة الإنسانية كلها ، وألّا نعدّيها أكثر من ذلك إلى الكون كله ! ؟ عمل الخير عبادة وما البرغوث وما الحصاة وما الإنسان إلى جانب الكون ؟ ! بل ما الإنسانية كلها إلى جانب الكون ؟ هذا الكون الفسيح يحاول خيالنا العاجز تصوير حدوده بالزمان والمكان وبالأزل والأبد ، وبأمثال هذه الألفاظ التي لا سبيل لنا غيرها إلى أن نرسم لأنفسنا صورة من الكون ناقصة غاية النقص ، يتفق نقصها مع ما أوتينا من العلم ، وما أوتينا من العلم إلا قليلا . وهذا القليل قد هدانا إلى أن سنّة اللّه في الكون سنّة نظام وعدل لا تبديل لها ولا تحويل . وإنما نهتدي إلى هذه السنّة وقد جعل اللّه لنا السمع والأبصار والأفئدة لنشهد بديع صنعه ونقف في الكون على سنّته ، فنسبّح بحمده ونعمل الخير بأمره . وعمل الخير عن إيمان هو أرقى مظهر لعبادة اللّه لقوم يعقلون . الموت خاتمة حياة وبدء حياة فأمّا الموت فخاتمة حياة وبدء حياة . لذلك لا يجزع منه إلا الذين ينكرون الحياة الآخرة ويخشونها لسوء صنيعهم في الحياة الدنيا . أولئك لا يتمنّون الموت بما كسبت أيديهم ؛ وإنما يتمنى الموت صدقا المؤمنون حقّا والذين عملوا في الدنيا صالحا . يقول تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) « 1 » . ويقول جل شأنه مخاطبا نبيّه : ( وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ . كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) « 2 » . ويقول : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ
--> ( 1 ) سورة الملك آية 2 . ( 2 ) سورة الأنبياء آيتا 34 ، و 35 .